……
******************************************************************************
صدق الحبيب - عليه الصّلاة و السّلام - لمّا قال : المرء على دين خليله فلينظر من يخالل و ما نظرت من أخالل و لكنّي نظرت لما أخالل … ؟! حدّدت هدفي من صداقتي و كانت هي من يحقّق لي ذاك الهدف .. لم أفكّر قطّ بل لم أكن قد تعلّمت التّفكير في العواقب بعد .. كنت قبل معرفتي بها أقابل كثيرا من الشّباب و المعاكسات الّتي تمرّ بي مرّ النّسيم ترضي نفسي و لا ترسخ بعقلي .؛ لأنّني لم أكن قد عرفت كيف أفسّرها و كيف أرد عليها
لا تصادقـي أو تصدّقـي امرأة ؛ فكلّهن كاذبات .كان يكرّرها عليّ أبي كـلّمـا ذكرت امرأة يقول ذلك و ينسى تماما أنّي امرأة ،و أنّ قوله فيه اتّهام لي بالكذب ..
لم أستطع أن أعمل بحديثه كثيرا ؛ رغم أنّني لم أواجه ما ينفي صحّة قـوله منذ التحقــــت بالتّعليم و عرفت الفتيات و تعاملت معهن . قلت لنفسي لا يهـــمّني إن كن صادقــات أم كاذبات ،إنّني أشاركهم اللّعب مجرّد لعب لن يؤذيني شيئا،لا أستطيع اللّعب بمفردي و لن يقبل الصّبيان أن ألعب معهم .ذات مرّة دفعتني إحدى الزّميلات بعنف و هي تجري إلى جواري كان واضحا أنها تريدني أن أسقط على الأرض ،أو أنها غاضبة منّي لأمر ما وتريد الانتقام ، فدفعتني ثمّ نظرت إليّ و قالت بلهجة باردة :- آسفة .. لم أكن أقصد .
كيف لم تقصد و قد دفعتْني براحة يدها لم تصطدم بي .. كنت ألاحظ أنّها لا تفضّلني بين الزّميلات ؛ لكن لماذا تفعل ذلك ؟ ثم ّتقسم وتقسم أنّها لم تقصد .هل أصدّقها أم أصدّق حواسّي و إحساسي ؟
عند ما عدت إلى البيت ذلك اليوم أخبرت والدي بما حدث فقال :- ألم أخبرك كثيراً ألاّ تكون لكِ أيّ علاقة مع الفتيات ؟
_ أريد أن ألعب .. من يلعب معي ؟
صمت أبي و لم يعط جوابا ، فتركته و دخلت غرفتي أفكّر في بديل عن اللّعب ..لن ألعب مع البنات مرّة أخرى و كذلك لن ألعب مع الأولاد فلعبهم لا يستهويني .
ما كان يدور في عقل أبي حينذاك أكبر بكثير من سنّي و من تفكيري ؛ و لأنّي أعيش وحيدة معه لم أحبّ أن أغضبه قط .. لذلك كان من الممكن أن أترك اللّعب رغم سنّي الصّغيرة دون أن أشعر بأثر كبير في نفسـي .
مرّت سنوات التّعليم الابتدائيّ و أنا لا أحادث أحدا غير والدي ،الّذي كان لي كلّ العالم أبي و أمي و إخوتي و معلّمي .. كان كلّ شيء في حياتي .لم أشعر يوماً بافتقادي للعالم حولي و افتقادي صديقة في مثل عمري عند ما كان يشاركني حياتي و كأنّه طفل مثلي .
لكن الإنسان لا يمضي عمره طفلاَ ولو حدث ما واجه أيّ مشكلة في حياته ؛ واجهتني أشياء جديدة مختلفة بعد التحاقي بالتّعليم الإعدادي …أشياء علّمني أبي بعضها و ليس كلّها .. ربّما يستحي من الحديث معي في الأمور الّتي لم يخبرني عنها - ذلك ظنّي وقتها – و خاصّة إذا رآني شديدة الخجل .رأيت الفتيات المتصادقات في التّلفاز و قرأت عنهنّ في القصص .. تمنّيت أن تكون لي واحدة ..! أحدّثها عن المشاعر الّتي اشتعلت في قلبي و ابن الجيران يتابعني من الشّرفة المقابلة ،أحكي لها ردود أفعالي عند ما لاحقني شاب و أنا راجعة من المدرسة و أعبّر لها عن رأيي فيهم . بسبب نظرتي الوقورة لأبي أخفقت أن أتحدّث إليه في مثل هذه الأمور ،الّتي اعتقدت أنّه يراها تافهة أو غير نافعة ؛ لكنّني أحتاج إلى التّحدث فيها و معرفة أسبابها و عواقــبها .. كان ذلك مستحيلاً دون أن أختلط بزميلاتي و دون أن تكون لي صديقة منهنّ ..
ماذا كان سيقول لي أبي إذا أخبرته بابتسامة ساذجة أن ابن الجيران يشير لي أن أنتظره في الشّارع ؟ هل يسألني عن وسامته و عمّا أودّ أن أفعله و لماذا ؟ و هل يعجبني أم لا ؟ و التّفاهات الّتي تتحدّث فيها المراهقات معاً ؟ . مستحيل أن يفعل و يتناسى خبرات امتدّت أربع عقود عاشها ؛ سيقول و هو يحاول أن يخفي غضبه لا تفتحي الشّرفة و ذلك الشّاب يقف في شرفتهم المقابلة .. ليس الآن هو وقت ال المزيد
























